عبد الله بن عمر
أبو عبد الرحمن ، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوى
أسلم وهو صغير ، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم واستصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فردّه ، وأول غزواته الخندق ، وهو ممن بايع تحت الشجرة ، قدم الشام والعراق والبصـرة وفارس غازيًا في سبيل الله تعالى ، وتميّز بحسن الخلق ، وكان لا يساوم على دينه بالدنيا الإمام القدوة ، شيخ الإسلام ، العابد ، الزاهد ، التقي ، النقي ، الورع .
روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبيه وأبي بكر وعثمان وعلي وبلال وابن مسعود وعائشة وغيرهم.
روى عنه خلق كثير ،منهم أبناؤه سالم وبلال وحمزة، وسعيد بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، وغيرهم كثير، وكان ذلك من أسباب كثرة الرواية عنه .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ( أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ ، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهْوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَهُ ) أخرجه البخاري كتاب المغازي- باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، فتح الباري7/453.
شهد ابن عمر فتح مصر واختلط بها وروي عنه أكثر من أربعين نفسًا من أهلها .
منزلة عبد الله بن عمر العلمية وثناء العلماء عليه :
عدله النبي صلى الله عليه وسلم ، وزكّاه ، وشهد له بالصلاح والاستقامة .
رأى ابن عمر رؤيا فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : « نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ يُصَلِّى بِاللَّيْلِ » ؛ قَالَ سَالِمٌ : فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً ) أخرجه البخاري – كتاب فضائل الصحابة – باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فتح البارى – 7/113 .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا : « إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ » أخرجه البخاري – كتاب فضائل الصحابة – باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فتح البارى – 7/113 .
وعرف المحيطون بابن عمر مكانته العلمية وزهده في الدنيا وإقباله على الله تعالى وحبه لرسول الله واقتدائه به وتعلقه بالدار الآخرة .
قال ابن مسعود : إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر .
قال جابر بن عبد الله : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا ابن عمر .
قال ابن المسيب : لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر .
قال مالك : كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر ، مكث ستين سنة يفتي الناس .
وقال أيضًا : كان ابن عمر يوم مات خير من بقي .
قال طاوس : ما رأيت أورع من ابن عمر .
كان من أشد الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعًا للأثر ، كان يحاكى النبي صلى الله عليه وسلم في كل كبيرة وصغيرة .
قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر .
عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله كل مكان صلى فيه ، حتى أن النبي نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس .
عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ » . قَالَ نَافِعٌ : ( فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ )
تورع ابن عمر في الفتوى :
قال نافع : كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج فكنت أجلس إلى هذا يومًا وإلى هذا يومًا ، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سئل عنه ، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يفتي .
قال الليث بن سعد وغيره : كتب رجل إلى ابن عمر : أن اكتب إلي بالعلم كله ، فكتب إليه : إن العلم كثير ، ولكن إن استطعت أن تلقى الله حفيف الظهر من دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ، كاف اللسان عن أعراضهم ، لازمًا لأمر جماعتهم فافعل .
حرص ابن عمر على حديث رسول الله :
كان ابن عمر من أشد الناس حرصًا على حديث رسول الله ، يجتهد في أن يؤديه كما سمعه بلفظه قدر الطاقة لا يزيد ولا ينقص .
قال أبو جعفر الباقر : كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله حديثًا لا يزيد ولا ينقص ، ولم يكن أحد في ذلك مثله .
زهد ابن عمر في الدنيا :
كان ابن عمر زاهدًا في الدنيا مقبلاً على الله تعالى بكليته متعلقًا بالدار الآخرة .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبِى فَقَالَ « كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ » . ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ) أخرجه البخاري-كتاب الرقاق-باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، حديث رقم6416.
كان معروفًا بالسخاء والكرم ، وكان إذا أحب شيئًا تصدق به عملاً بقوله تعالى:( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (آل عمران: من الآية92)
قال نافع : بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف فما حال عليه الحول وعنده منها شيئًا .
وقال نافع : إن كان ابن عمر ليفرق في المجلس ثلاثين ألفًا ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم .
عن ميمون بن مهران : أتى ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا فما قام حتى أعطاها .
اجتهاد ابن عمر في العبادة :
عن نافع أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيى ليلته .
عن نافع أن ابن عمر كان يحيي الليل صلاة ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول : لا ، فيعاود الصلاة إلى أن أقول : نعم ، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح .
تواضع ابن عمر الجمّ :
كان ابن عمر متواضعًا لا يقبل أن يمدحه أحد .
عن نافع أن رجلاً قال لابن عمر : يا خير الناس ، أو ابن خير الناس ، فقال : ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس ، ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه ، والله لا تزالوا بالرجل حتى تهلكوه .
كان ابن عمر قوالاً بالحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم : يدل على ذلك موقفه من الحَجّاج بن يوسف الطاغية المستبد فراجعه في عدة مواقف مع أن الحَجّاج كان لا يقبل ذلك ويعاقب من يعترض عليه ولو بكلمة .
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ( قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِى أَخْمَصِ قَدَمِهِ ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنْتَ أَصَبْتَنِى . قَالَ وَكَيْفَ قَالَ حَمَلْتَ السِّلاَحَ فِى يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ ، وَأَدْخَلْتَ السِّلاَحَ الْحَرَمَ وَلَمْ يَكُنِ السِّلاَحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ ) ( أخرجه البخاري-كتاب العيدين-باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم )
عن أيوب عن نافع قال : أصابت ابن عمر عارضة محمل بين أصبعيه عند الجمرة ، فمرض فدخل عليه الحَجّاج ، فلما رآه ابن عمر ، غمض عينيه ، فكلمه الحَجّاج ، فلم يكلمه ، فغضب وقال : إن هذا يقول إني على الضرب الأول ؟ ( أخرجه ابن سعد 4/186 من طريق سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد بهذا الإسناد ، وهذا سند صحيح )
عن سعيد بن عمرو الأموي عن أبيه عن ابن عمر أنه قام إلى الحَجّاج وهو يخطب فقال : يا عدو الله ! استحل حرم الله ، وخرب بيت الله ، فقال : يا شيخًا قد خرف ، فلما صدر الناس ، أمر الحَجّاج بعض مسودته ، فأخذ حربة مسمومة ، وضرب بها رجل ابن عمر ، فمرض ومات منها ، ودخل عليه الحجاج عائدًا فسلم فلم يرد عليه ، وكلمه فلم يجبه ) رجاله ثقات .
عن ابن سيرين أن الحَجّاج خطب فقال : إن ابن الزبير بدل كلام الله ، فعلم ابن عمر ، فقال : كذب ، لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت ، قال : إنك شيخ قد خرفت الغد ، قال : أما إنك لو عدت ، عدت .
وهو من المكثرين من الفتيا والرواية ، له في مسند " بقى بن مخلد " ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا بالمكرر ، واتفق البخاري ومسلم له على مائة وثمانية وستين حديثًا ، وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا ، ومسلم بأحد وثلاثين حديثًا .
أسباب إكثار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من الرواية
نستطيع حصر أسباب إكثار عبد الله بن عمر من الرواية في النقاط الآتية:
1 – أسلم صغيرًا ، والإنسان في هذا السن يتميز بصفاء الذهن وقلة الشواغل والصوارف عن الحفظ ، وهذا يمكنه من الحفظ والتحصيل بدرجة عالية .
2 – ملازمته لمجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد كان ابن عمر رضي الله عنهما حريصًا على حضور مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبيه عمر وكبار الصحابة .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ ؟ » . فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ الْبَوَادِى . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا : حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : « هِيَ النَّخْلَةُ » أخرجه البخاري – كتاب العلم – باب قول المحدث حدثنا – حديث رقم 61 .
3 – تعدد مصادر التحمل بالنسبة لابن عمر ، فكما تحمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تحمل الحديث عن كبار الصحابة ، فروى عن أبيه ، وأبي بكر ، وعلي ، وبلال ، وابن مسعود ، وغيرهم رضي الله عنهم.
4 – تفرغه للرواية والتحديث والعبادة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5 – شدة اقتداء عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالنبي صلى الله عليه وسلم جعله يتتبع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ليقتدي به صلى الله عليه وسلم ويحاكيه حتى في الأمور المباحة والتي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم بدافع فطري محض.
6 – مكثه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي المدينة كثر طلاب العلم ، فكثر الآخذون عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وقام تلاميذه بتبليغ ما سمعوه منه .
7 – اعتزل ما دار بين الصحابة ، فلم يشهد ذلك ، ولم يشغل نفسه بالفتن والحروب التي وقعت بين علي ومعاوية ، وإن كان قد ندم أنه لم يكن مع علي خاصة بعد أن استشهد عمار بن ياسر وتبيّن له الأمر .
8 – لم يشغل نفسه بالفتوحات الإسلامية ، بل تفرغ للعلم والتحديث ، فكان يرى أن الجهاد بعد أن مكن الله تعالى لدينه من فروض الكفاية .
9 – تأخر وفاة ابن عمر ، فلقد عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة زمنية طويلة ،
فلقد توفي في سنة ثلاث وسبعين وفي هذه الفترة احتاج الناس إلى علمه .
مات ابن عمر رضي الله عنهما سنة ثلاث وسبعين ، أو أربع وسبعين ، عن سبع وثمانين سنة
إن شاء سننشر لكم في هذه السلسلة العظيمة ترجمة لصحابي جليل من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
نقلها لكم / عمرو بن جمال الدين بن حسين أبو عبد الله الديناري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق