السبت، 10 يناير 2009

أنس بن مالك


أنس بن مالك


أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصاري الخزرجى.
خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين من الراوية عنه ، كان له عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة التي نورت بمقدمه المبارك صلى الله عليه وسلم عشر سنين فأتت به أمه أم سليم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : هذا أنس غلام يخدمك ، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وكناه بأبي حمزة لبقلة كان يجتنيها وكان لطعم هذه البقلة لذوعة ، ولقبه بذي الأذنين .

فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ :
" كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا "

( أخرجه الترمذي - كتاب المناقب - باب مناقب لأنس بن مالك رضي الله عنه. قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث جابر الجعفي عن أبى نصر 5/682 .

قال ابن الأثير : وفي حديث أنس " كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا " أي كناه أبا حمزة .
قال الأزهرى : البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة بفعلها يقال رمانة حامِزة أي فيها حموضة .
( النهاية في غريب الحديث 1/440 )

ممازحة النبي صلى الله عليه وسلم لأنس وخدمته له :
كان النبي صلى الله عليه وسلم لكريم خلقه وشدة عطفه وإحسانه يمازحه فكان يقول له يا ذا الأذنين تلطفاُ معه وتأنيسًا له ومراعاة لسنه .
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : رُبَّمَا قَالَ لِيَ النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا ذا الأذنين ). قَالَ أَبُو أُسَامَةَ (أحد رواة الإسناد) : يَعْنِى يُمَازِحُهُ أخرجه الترمذي - نفس الكتاب و الباب السابق - قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب صحيح 5/681 .

خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، واتصل به اتصال الخادم بالمخدوم ، ولازمه في الحضر والسفر منذ نعومة أظفاره ، واطلع على ما لم يطلع عليه كثير من الصحابة الذين لم يظفروا بشرف خدمته صلى الله عليه وسلم وهذه الصلة القريبة من الرسول صلى الله عليه وسلم أتاحت لأنس أن يتعلم من أدب النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه ، فقلد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة عملية لأصحابه فإذا أمرهم بأمر كان أول المؤتمرين به ، وإذا نهاهم عن أمر كان أول المنتهين عنه صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى الصحابة للإسلام واقع عملي في حياته صلى الله عليه وسلم استطاعوا بتوفيق الله تعالى محاكاته في كل كبيرة وصغيرة حتى رئي للإسلام واقع عملي في حياتهم رضي الله عنهم وهذا يرجع في المقام الأول بعد فضل الله تعالى إلى القدوة العملية التي انسجمت أعماله مع أقواله وإلى شفقته صلى الله عليه وسلم وحرصه المنقطع النظير على أصحابه .


عنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَنَساً غُلاَمٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ . قَالَ : فَخَدَمْتُهُ في الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلاَ لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا
( أخرجه البخاري - كتاب الوصايا - باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صالحًا له ونظر الأم أو زوجها لليتيم 4/13
وأخرجه البخاري - كتاب الديات - باب من استعان عبدًا أو صبيًا 9/15 .

قال الحافظ بن حجر : أبو طلحة كان زوج أم سليم والدة أنس بن مالك وأبو طلحة لم يذهب بأنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد رضا أم سليم وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أن أم سليم هي التي أحضرت أنسًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة وأما أبو طلحة فأحضره إليه لما أراد الخروج إلى غزوة خيبر - فتح الباري 5/464 )


عن أَنَسٌ رضي الله عنه قَالَ :
( خَدَمْتُ النبي صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ . وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ وَلاَ أَلاَّ صَنَعْتَ )
أخرجه البخاري - كتاب الأدب - باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل 8/17.

ظاهر هذا الحديث قد يفهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تاركًا للحبل على الغارب فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولكن هذا خاص بما يتعلق بحظوظه النفسية فكان رضي الله عنه لا يغضب لنفسه بل كان يتنازل عن حظوظه النفسية فلا يعنف خادمه أو زوجته إذا قصر في أموره الخاصة، وقد بين الحافظ ابن حجر المراد منه فقال رحمه الله: ويستفاد من هذا ترك العتاب على ما فات لأن هناك مندوحة عنه باستئناف الأمر به إذا احتيج إليه وفائدة تنزيه اللسان عن الزجر والذم واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته وكل ذلك في الأمور التي تتعلق بحظ الإنسان وأما الأمور اللازمة شرعا فـلا يتسامح فيها لأنها من باب الأمـر بالمعروف و النهى عن المنكر - فتح البارى 10/475 . .

شهد أنس رضي الله عنه بدرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يذكر في البدريين لأنه لم يكن في سن من يقاتل وإنما خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم لخدمته . كما كان ممن بايع تحت الشجرة .

قال الإمام الذهبي : فصحب أنس نبيه صلى الله عليه وسلم أتم الصحبة ، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر ، وإلى أن مات ، وغزا معه غير مرة ، وبايع تحت الشجرة ( سير أعلام النبلاء 3/397 ) .

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأنس واستجابة الله تعالى له :

ولما جاءت أم سليم بأنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخدمه قالت أم سليم للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ادع الله لأنس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " ، وفي رواية : " اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه " .

فقال أنس : فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدى مائة وخمسة وعشرين وإن أرضى لتثمر في السنة مرتين ( الإصابة في تمييز الصحابة 1/72 ) .

عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ فَقَالَ : « اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ » ( أخرجه مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أنس بن مالك رضي الله عنه - صحيح مسلم بشرح النووى 16/40 )

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : "دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلاَّ أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي فَقَالَتْ أُمِّي : يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ - قَالَ - فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ : « اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ" ( أخرجه مسلم - نفس الكتاب و الباب السابق ) .

وفى رواية عند مسلم في نفس الكتاب والباب السابق : عَن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ فَقَالَتْ : بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنَيْسٌ . فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ ( أخرجه مسلم - نفس الكتاب و الباب السابق )

عَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ : قُلْتُ لأَبِى الْعَالِيَةِ : سَمِعَ أَنَسٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِدُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ ( أخرجه الترمذي - كتاب المناقب - باب مناقب لأنس بن مالك رضي الله عنهما - قال الترمذي : هذا حديث (حسن) 5/683 ) .

كان أنس كتوما لأسرار النبي صلى الله عليه وسلم حتى وهو صغير وهذا من آثار القدوة العملية وشفقة المربى على من يربيهم أن أحبوه صلى الله عليه وسلم حبًا شديدًا حملهم هذا الحب على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل كبيرة وصغيرة والتعلم من أدبه وخلقه والمحافظة عليه صلى الله عليه وسلم وافتدائه بالنفس والولد والمال والمحافظة على أسراره فربى منهم رجالاً وإن لم يبلغوا مبلغ الرجال ، وهذا أنس رضي الله عنه كان ينظر إلى نفسه وهو حدث صغير السن نظرة الرجل الكبير الذي يقدر المسئولية حق قدرها .

عن ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ - قَالَ - فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ : مَا حَبَسَكَ ؟ قُلْتُ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَةٍ . قَالَتْ : مَا حَاجَتُهُ ؟ قُلْتُ : إِنَّهَا سِرٌّ . قَالَتْ : لاَ تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَداً . قَالَ أَنَسٌ : وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَداً لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ " ( أخرجه مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أنس بن مالك رضي الله عنه - صحيح مسلم بشرح النووى 16/41 .)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : أَسَرَّ إِلَىَّ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِرًّا فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَداً بَعْدُ . وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ " ( أخرجه مسلم - نفس الكتاب و الباب السابق )

فانظر كيف كان أنس ينظر إلى نفسه وهو حدث صغير نظرته إلى نفسه بعد أن صار شيخًا كبيرًا ، وكيف احتفظ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات . إن ذلك ليرجع في المقام الأول إلى صحة المنهج الذي رُبى عليه الصحابة وإلى صدق المربى صلى الله عليه وسلم وحرصه المنقطع النظير على من يربيهم إلى أن تمكن حبه من قلوبهم هذا التمكن الذي لا يوصف .

ولشدة حبه رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وشدة تعلقه به ما حال الموت بينه وبين رؤية حبيبه وأستاذه بل كان يراه في النوم وهذا من آثار الحب الصادق .

قال المثنى بن سعيد : سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي ، ثم يبكى
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 7/20 ـ سير أعلام النبلاء 3/403.

ولقد حمل حب أنس رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم وهذه ثمرة الحب الحقيقي لا يجد صاحبها بدًا من اتباع من أحبه ومحاكاته في كل كبيرة وصغيرة .

عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : ما رأيت أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم يعنى أنس بن مالك أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 7/20-21

تبرك أنس بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم:

لقد حمل حب أنس للنبي صلى الله عليه وسلم وتعلقه به على التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم.
قال ثابت البناني : قال لي أنس بن مالك : هذه شعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعها تحت لساني ، قال : فوضعتها تحت لسانه فدفن وهي تحت لسانه الإصابة في تمييز الصحابة 1/71.

قال الإمام الذهبي : أنس بن مالك بن النضر الإمام ، المفتى ، المقرئ ، المحدث ، راوية الإسلام ، خادم رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرابته من النساء ، وتلميذه ، وتبعه ، وآخر أصحابه موتاً . روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا جمًا وعن أبى بكر وعمر وعثمان ومعاذ وأسيد بن الحضير وأبى طلحة وأمه أم سليم بنت ملحان وخالته أم حرام وزوجها عبادة بن الصامت وأبى ذر ومالك بن صعصعة وأبى هريرة وغيرهم .

روى عن أنس خلق عظيم منهم الحسن وابن سيرين و الشعبي وعمر بن عبد العزيز وثابت البناني والزهري وغيرهم كثير .
روى أنس ألفين ومائتين وستاً وثمانين حديثاً ، اتفق البخاري ومسلم على تخريج مائة وثمانين حديثاً ، وانفرد البخاري بثمانين حديثاً ومسلم بتسعين حديثا - خرج له الأئمة الستة .

أسباب إكثار أنس بن مالك رضي الله عنه من الرواية:

نستطيع حصر أسباب إكثار أنس بن مالك رضي الله عنه من الرواية في النقاط الآتية :

1 – أسلم أنس رضي الله عنه صغيرًا ، فكان له عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عشر سنين ، فأتت به أمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعرضته خادمًا عليه فقبله ، والإنسان في هذا السن يتميز بصفاء الذهن وقلة الشواغل ، وهذا هو سن الحفظ والتحصيل .

2 – ملازمة أنس رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم واتصاله به اتصال الخادم بالمخدوم جعله يطلع على كثير مما لم يطلع عليه غيره ، ويحفظ عنه الكثير .

3 – تعدد مصادر التحمل بالنسبة لأنس رضي الله عنه ، فكما تحمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمله عن كبار الصحابة ، فروى عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاذ وأسيد بن الحضير وأبي ذر وغيرهم رضي الله عنهم.

4 – كثرة تلاميذ أنس بن مالك رضي الله عنه ، فلقد عاش أنس بن مالك رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ثمانين سنة ، وتكاثر عليه طلاب العلم حتى ذكر صاحب " تهذيب الكمال " نحو مائتي نفس من الرواة عن أنس ، وبقي أصحابه الثقات إلى ما بعد الخمسين ومائة ، وقام تلاميذ أنس رضي الله عنه بتبليغ ما سمعوه من أنس رضي الله عنه ، فكثر حديث أنس رضي الله عنه لذلك .

5 – تأخر وفاة أنس بن مالك رضي الله عنه ، فلقد توفي أنس رضي الله عنه في سنة ثلاث وتسعين ، فكان آخر الصحابة موتًا بالبصرة ، فعاش بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ثمانين عامًا ، وفي هذه الفترة الزمنية احتاج الناس إلى ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لابد من تبليغ ما سمع .

قال الحافظ الذهبي : ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين .

قال الحافظ بن حجر : كانت إقامة أنس بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم شهد الفتوح ثم قطن البصرة ومات بها وكان آخر الصحابة موتاً بالبصرة سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة.

راجع ترجمة أنس بن مالك في : الطبقات الكبرى لابن سعد 7/17-26 الاستيعاب في معرفة الأصحاب بهامش الإصابة 1/71-72 سير أعلام النبلاء 3/395-406 الإصابة في تمييز الصحابة 1/71-72 - تقريب التهذيب ص 154 .
نقلها لكم / أبو فاطمة عمرو بن جمال الدبن بن حسين

عبد الله بن عباس


عبد الله بن عباس


أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية .


ولد وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنوات وقيل بخمس والأول أثبت ـ وذلك حين حاصرت قريش بني هاشم بشعب أبى طالب وقاطعتهم .


دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما :


لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما أن يفقهه الله في الدين ويعلمه تفسير القرآن الكريم وقد استجاب الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم فرزق فهم القرآن الكريم وكان من المكثرين من رواية الحديث وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة .
فكان إليه المرجع في تفسير القرآن الكريم والفقه وغير ذلك .


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ : « اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ »
أخرجه البخاري ـ كتاب العلم ـ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم علمه الكتاب 1/29 .


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَـالَ : ضَمَّنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَـى صَدْرِهِ وَقَـالَ : « اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ »
أخرجه البخاري ـ كتاب فضائل الصحابة ـ باب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما 5/34 .


قال الحافظ ابن حجر : والمراد بالكتاب القرآن الكريم لأن العرف الشرعى عليه
(أى إذا أطلق الكتاب انصرف إلى القرآن الكريم).


والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه.

وفى الرواية الثالثة ( اللهم علمه الحكمة )

قال الحافظ : المراد بـ (الحكمة) أيضاً القرآن فيكون بعض الرواة رواه بالمعنى وهذا بناء على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له مرة واحدة أما على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له مرتين كما جاء ذلك في سنن النسائي والترمذى من طربق عطاء عن ابن عباس قال : دعا لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتينى الحكمة مرتين .


أخرجه الترمذي ـ كتاب المناقب ـ باب مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء وقد رواه عكرمة عن ابن عباس 5/679-680 .


وأخرجه النسائي في سننه الكبرى ـ كتاب المناقب ـ باب عبد الله بن العباس بن عبد المطلب حبر الأمة وعالمها وترجمان القرآن رضي الله عنهما 5/52 .

فيكون المراد بالكتاب القرآن الكريم وبالحكمة السنة المطهرة . فتح البارى 1/204-205 .


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْخَلاَءَ ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ : « مَنْ وَضَعَ هَذَا ؟ » . فَأُخْبِرَ فَقَالَ : « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ » أخرجه البخاري ـ كتاب الوضوء ـ باب وضع الماء عند الخلاء 1/48 .


عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي - أَوْ عَلَى مَنْكِبِي (شَكَّ سَعِيدٌ) - ثُمَّ قَالَ : « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ » أخرجه أحمد 1/266 ، 1/314 ، 1/328 ، 1/335 .


قال الحافظ ابن حجر : وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، لما علم من حال ابن عباس رضي الله عنهما في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله عنه. فتح البارى 1/205.


روى ابن عباس رضي الله عنهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى عن عمر وعلى ومعاذ ووالده وعبد الرحمن بن عوف وأبى بن كعب وغيرهم .


روى عنه عكرمة وطاوس وعلى بن الحسين وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والقاسم بن محمد وأبو صالح السمان وغيرهم .
أخرج ابن عبد البر بإسناده عَنْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً " أخرجه أحمد – مسند عبد الله بن العباس – حديث رقم 3609 .


قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : قال أبى : وهذا هو الصواب .

قال ابن عبد البر : وما قاله أهل السير والعلم بأيام الناس عندى أصح والله أعلم وهو قولهم أن ابن عباس رضي الله عنهما كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول الواقدى والزبير بن بكار" الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة 2/351 ، سير أعلام النبلاء 3/335-336 .


أدبه الجم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ولما رأى الصحابة رضي الله عنهما في نبيهم صلى الله عليه وسلم القدوة العملية التي انسجمت أعماله مع أقواله مع كمال شفقته عليهم وحبه لهم أحبوه صلى الله عليه وسلم وأنزلوه المنزلة اللائقة به فقدموا حبه على كل حب وافتدوه بأنفسهم ، وهذا ابن عباس رضي الله عنهما مع صغر سنه يأبى أن يقف بحذاء النبي صلى الله عليه وسلم تكريمًا وإجلالاً له صلى الله عليه وسلم.


عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِيَدِى فَجَرَّنِي فَجَعَلَنِي حِذَاءَهُ فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى صَلاَتِهِ خَنَسْتُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي : « مَا شَـأْنِي أَجْعَلُكَ حِذَائِي فَتَخْنُسَ » . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَيَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّىَ حِذَاءَكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ ؟ قَالَ : فَأَعْجَبْتُهُ فَدَعَا اللَّهَ لِي أَنْ يَزِيدَنِي عِلْماً وَفَهْماً - قَالَ - ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَامَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَنْفُخُ ثُمَّ أَتَاهُ بِلاَلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الصَّلاَةَ فَقَامَ فَصَلَّى مَا أَعَادَ وُضُوءاً " أخرجه أحمد 1/330 .


منزلة ابن عباس رضي الله عنهما العلمية وثناء العلماء عليه :

لقد علم المسلمون لابن عباس رضي الله عنهما فضله ومكانته العلمية وأنزلوه المنزلة العلمية اللائقة به والتي تتناسب وتبحره في علم التفسير والحديث والفقه وأثنى عليه الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم .

فهذا عمر رضي الله عنه يقربه ويشاوره مع كبر الصحابة مع صغر سنه .

قال ابن عبد البر : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحبه ويدنيه ويقربه ويشاوره مع أجلة الصحابة .

قال المهاجرون لعمر ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس ؟

قال ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول .

عن ابن عباس قال : دعانى عمر مع الأكابر ، ويقول لى : لا تتكلم حتى يتكلموا ، ثم يسألنى ، ثم يقبل عليهم ، فيقول ما منعكم أن تأتونى بمثل ما يأتينى به هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه" أخرجه أحمد 1/330.


عن ابن عباس قال : كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر ويأذن لى معهم قال : فذكر أنه سألهم وسأله فأجابه فقال لهم : كيف تلوموننى عليه بعد ما ترون" أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/365.


قال سعد بن أبى وقاص : ما رأيت أحضر فهمًا ولا ألب لبًا ولا أكثر علمًا ولا أوسع حلمًا من ابن عباس ، لقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول : عندك قد جاءت معضلة ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار" أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/369.
قالت عائشة : هو أعلم من بقى بالمناسك" نفس المصدر السابق .


عن الشعبى قال : ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال لا تفعل يا ابن عم رسول الله فقال هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقبل زيد بن ثابت يده وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا .


قال عبد الله بن مسعود : أما أن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا رجل . وكان يقول نعم ترجمان القرآن ابن عباس" أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/366.


وسئل ابن عمر فقال للسائل : سل ابن عباس فإنه أعلم من بقى بما أنزل الله على محمد .

قال الحافظ ابن حجر : أخرج ابن سعد بسند صحيح عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال : قال أبو هريرة حين مات زيد بن ثابت : اليوم مات حبر هذه الأمة ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً " أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/362 ـ الإصابة في تمييز الصحابة 2/333.

قال هشام بن عروة بن الزبير : سألت أبى عن ابن عباس فقال : ما رأيت مثل ابن عباس قط .


قال عمرو بن دينار : ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس الحلال والحرام والعربية والأنساب وأحسبه قال والشعر .
قال عطاء : ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهًا وأعظم خشية إن أصحاب الفقه عنده وأصحاب القرآن عنده وأصحاب الشعر عنده يصدرهم كلهم من واد واحد .


قال مسروق : كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس قلت : أجمل الناس ، فإذا تكلم قلت : أفصح الناس ، وإذا تحدث قلت : أعلم الناس .

قال يزيد بن الأصم : خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم .

أمره عثمان على الحج في العام الخامس والثلاثين وهي السنة التي استشهد فيها عثمان رضي الله عنه.

ولاه على البصرة وظل بها إلى أن استشهد علىّ رضي الله عنه.

قال الإمام النسائي : حبر الأمة وعالمها وترجمان القرآن رضي الله عنه.

قال الحافظ الذهبي : البحر حبر الأمة وفقيه العصر وإمام التفسير ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم " سير أعلام النبلاء 3/331-332.
حرص ابن عباس رضي الله عنهما على تحصيل العلم:

منذ نعومة أظفاره وإجلاله لأهل العلم وتحمله في سبيل تحصيل العلم العناء الشديد مع شدة تواضعه . إن طالبًا اجتمعت فيه هذه الخصال مع شدة فهم وذكاء وتوفيق من الله تعالى بسبب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له لحريّ أي يصل إلى ما وصل إليه ابن عباس رضي الله عنهما وأن يتبوأ هـذه المنزلة العالية بين كبار أصحاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم.


عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " لَمَّا تُوفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ : يَا فُلاَنُ هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُمْ الْيَوْمَ كَثِيرٌ . فَقَالَ : وَاعَجَباً لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وفي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَنْ تَرَى فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِيهِ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ فَتَسْفِي الرِّيحُ عَلَى وَجْهِي التُّرَابَ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي فَيَقُولُ : يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَىَّ فَآتِيَكَ ؟ فَأَقُولُ : لاَ أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ . قَالَ : فَبَقِيَ الرَّجُلُ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَىَّ فَقَالَ : كَانَ هَذَا الْفَتَى أَعْقَلَ مِنِّى " أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 2/367-368 .


صفاء نفس ابن عباس رضي الله عنهما:

إن دراسة القرآن الكريم والسنة المطهرة إذا طلبت لله تعالى والتزم بها المسلم في خاصة نفسه فجعل لها واقعًا عمليًا في حياته الخاصة والعامة تورث صاحبها صفاء النفس والتجرد لله تعالى وحب المسلمين حتى أنه يرى الخير الذي يُساق للمسلمين كأنه مساق إليه هو فيفرح لفرح المسلمين ويتألم ويحزن لما ينزل بهم من بلاء وشدة .


وإذا كانت هذه هي ثمرة دراسة القرآن الكريم والسنة المطهرة في حياة عامة المسلمين فكيف تكون ثمرة دراسة القرآن والسنة في حياة ترجمان القرآن وحبر الأمة الذي حظى بشرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له .


لقد أورث ذلك كله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما صفاء نفس وتجردًا لله تعالى وحبًا للإسلام والمسلمين حتى أنه يحب لهم مثل ما يحب لنفسه من الخير فيسعد بسعادتهم ويفرح لما ينزل بهم من خير وكأنه مسوق إليه هو .


قال الحافظ ابن حجر : " أخرج البيهقي بإسناده عن عبد الله بن بريدة قال : شتم رجل ابن عباس فقال : إنك لتشتمني وفي ثلاث إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبه ولعلى لا أقاضى إليه أبدًا وإن لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلدان المسلمين فأفرح به وما لي بها سائمة ولا راعية وإني لآتى على آية من كتاب الله تعالى فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم " الإصابة في تمييز الصحابة 2/333-334.


قال الذهبي : قال أبو سعيد بن يونس : غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبى سرح وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا " سير أعلام النبلاء 3/336 .


وهو من المكثرين من رواية الحديث ، روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا ، خرج له البخاري ومسلم خمسة وسبعين حديثًا ، وتفرد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا ، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث" سير أعلام النبلاء 3/359 .


أسباب إكثار عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من الرواية

نستطيع حصر أسباب إكثار عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من الرواية في النقاط الآتية :

1 – قرابة عبد الله بن عباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالرسول ابن عمه ، وزوج خالته أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنهما التي مكنته من ملازمته صلى الله عليه وسلم ملازمة شديدة حتى أنه كان يبيت عنده أحيانًا ، فيطلع ويرى من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يطلع عليه غيره .


2 – دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس بأن يفقه في الدين ، فاستجاب الله تعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فصار ابن عباس ترجمان القرآن الكريم ، العالم بالسنة المطهرة ، المكثر من الرواية ، الفقيه في دين الله تعالى ، حتى كان يجلس بين كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ، وكان عمر رضي الله عنه يقربه ويشاوره مع كبار الصحابة مع صغر سنه .


3 – حب الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس لأدبه الجم وإحساسه المرهف الذي تميز به جعل النبي صلى الله عليه وسلم يخصه بمزيد حب ورعاية .


4 – تعدد مصادر التحمل بالنسبة لابن عباس ، فكما تحمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل الحديث عن كبار الصحابة ، فروى عن عمر وعلي ومعاذ ووالده العباس وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم.


5 – كثرة تلاميذ عبد الله بن عباس رضي الله عنه الذين أخذوا عنه العلم وتحملوا عنه الحديث ، روى عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس – كما جاء في " التهذيب " – وقام هؤلاء الذي أخذوا عنه بواجبهم في تبليغ ما سمعوا منه.


6 – صغر سن ابن عباس رضي الله عنه ، أسلم ابن عباس رضي الله عنه صغيرًا ، وصحب الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإنسان في هذا السن يكون ذهنه صافيًا وليس عنده من الشواغل ما يعوقه عن الحفظ والتحصيل .


7 – استثمر ابن عباس رضي الله عنه عمره استثمارًا طيبًا ، فلم يفرط في لحظة منه ، ولم يشغله عن تحصيل العلم شاغل ، وقد مر بك أنه لم يشغل بموت الرسول صلى الله عليه وسلم عن تحصيل العلم حتى تعجب منه من رآه يسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم موته ، ثم ندم من لم يفعل فعله .


8 – احتمال الشدائد في سبيل تحصيل العلم ، وقد مر بك أنه كان يأتي أبواب شيوخه وينتظر خروجهم فلا يطرق عليهم بابًا .


9 – تأخر وفاة ابن عباس رضي الله عنهما ، فلقد عاش ابن عباس رضي الله عنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فترة زمنية طويلة نحو ستين سنة ، وفي هذه الفترة الزمنية احتاج الناس إلى علمه ، وتكاثر طلاب العلم عليه .


توفى ابن عباس رضي الله عنهما سنة ثمان وستين بالطائف بالاتفاق واختلفوا في سنه فقيل إحدى وسبعين وقيل اثنتين وسبعين وقيل أربع وسبعين والأول هو الأقوى. وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه أربعًا .


وقـال محمد بن الحنفية : لما دفـن ابن عباس : اليـوم مات ربانـي هذه الأمة " الطبقات الكبرى لابن سعد 2/368

نقلها لكم / أبو عبد الله عمرو بن جمال الدين بن حسين